رسائل في معرض «ناس تكس».. تعزيز ملامح السياسة السورية

الثورة السورية – فؤاد الوادي حمل خطاب الرئيس أحمد الشرع في معرض “ناس تكس” الكثير من الدلالات والرسائل الرمزية، التي نسجت في خيوط دقيقة خلف الكلمات، واختيرت حروفها بعناية، ضمن صياغة جمعت بين الإرث الحضاري والرؤية السياسية للدولة السورية الجديدة. وجاءت كلمة الرئيس الشرع محملة بنسيج سياسي واقتصادي من الرسائل الضمنية، التي صيغت لتصل إلى [...]
الثورة السورية – فؤاد الوادي حمل خطاب الرئيس أحمد الشرع في معرض “ناس تكس” الكثير من الدلالات والرسائل الرمزية، التي نسجت في خيوط دقيقة خلف الكلمات، واختيرت حروفها بعناية، ضمن صياغة جمعت بين الإرث الحضاري والرؤية السياسية للدولة السورية الجديدة. وجاءت كلمة الرئيس الشرع محملة بنسيج سياسي واقتصادي من الرسائل الضمنية، التي صيغت لتصل إلى كل الأطراف المعنية بمستقبل سوريا، في الداخل السوري بكل مكوناته، وفي الخارج الإقليمي والدولي بكل حساسياته وتحدياته وتحولاته المتسارعة. اختيار معرض متخصص بصناعة النسيج منصة لهذا الخطاب جاء في لحظة سياسية واقتصادية دقيقة، تعيد فيها سوريا تعريف نفسها، وتنتقل من مرحلة الحرب والانقسام والعزلة إلى مرحلة البناء والإنتاج والانفتاح؛ ولذلك بدت المفردات التي استخدمها الرئيس الشرع جزءا من رؤية كاملة، تستحضر النول والخيط والقماش والحرير والسيف الدمشقي، لتقدم صورة عن دولة تعرف جذورها، وتفهم واقعها، وترسم طريقها نحو المستقبل. عملية بناء تحتاج إلى صبر وإتقان في حديث لـ”الثورة السورية”، أكد الباحث السياسي المحامي جواد خرزم أن هناك الكثير من الخيوط المخفية في كلمة الرئيس الشرع، التي نسج حروفها ببراعة وإتقان، مشيرا إلى أهمية التوقف مليا عند اختيار قطاع النسيج كمنصة لإطلاق هذه الرسائل. وأوضح خرزم أن النسيج في الثقافة السورية خصوصا، والعربية والإسلامية عموما، يحمل دلالات متعددة، فهو رمز للدقة والبراعة والحنكة والبناء والتشابك والترابط. كما أن فعل “النسج” نفسه يشير إلى عملية بناء متأنية تحتاج إلى صبر وإتقان، وعندما قال الرئيس إن آلة النسج أطلق عليها اسم “النول” لأنها “تنول النساج القماش وتمنحه إياه، فتختصر بذلك معنى الفوز بعد الصبر والعمل الكادح”، كان يضع أمام السوريين صورة لمستقبلهم، مستقبل يبنى بالصبر والعمل لا بالصراع والدمار. ويرى خرزم أن اختيار النسيج كاستعارة مركزية للخطاب جاء منسجما مع مضمون الرسالة السياسية، لأن الرئيس بنى كلمته على رمزية مفادها أن الدولة الجديدة، مثل النول، تأخذ خيوطا متفرقة، من مكونات الشعب، ومناطق سوريا، ومسارات العدالة، وترسيخ الاستقرار والأمن، وتفكيك إرث النظام المخلوع، وجبر الضرر ومداواة الجراح، ثم تنسجها في قماش وطني واحد متماسك ومترابط. وأوضح الرئيس الشرع أن معرض “ناس تكس 2026” هو “نقطة انطلاق خلاقة في معركتنا مع الفقر والعوز، وإعادة الإعمار، وتأمين آلاف فرص العمل والوظائف لأبناء شعبنا”. وتحمل هذه العبارة، بحسب خرزم، وعودا اقتصادية واضحة إلى الداخل السوري، وتعيد تأكيد التحولات الجذرية التي طرأت على هوية الدولة منذ التحرير. فالدولة التي كانت لسنوات أسيرة النظام المخلوع، الذي أفقدها مقوماتها، ودمر بنيتها، وعزلها، ونهب مواردها، وقتل شعبها، تدخل اليوم معركة جديدة عنوانها البناء والإنتاج والكرامة واستعادة الحضور والمكانة والتأثير. والرسالة الضمنية هنا موجهة إلى السوريين عامة، ومفادها أن الدولة انتقلت من منطق الحرب إلى منطق الإنتاج، وأن المصدر الحقيقي للقوة يتمثل في الاقتصاد، والقدرة على توفير لقمة العيش، وخلق فرص العمل، وتحويل الطاقات الوطنية إلى أدوات نهوض. ويضيف خرزم أن تحويل المعركة من ميدان القتال إلى ميدان الإنتاج يعيد تعريف وظيفة الدولة ومشروعها؛ فالقوة في المرحلة الجديدة لا تقاس بقدرة الدولة على خوض الحروب، وإنما بقدرتها على حماية المجتمع من الفقر، وفتح أبواب العمل، وإعادة تشغيل المصانع، وجذب الاستثمارات، وتأمين شروط الحياة الكريمة. ومن أكثر العبارات حمولة سياسية في الخطاب قول الرئيس: “ولعلنا اليوم في هذه المناسبة أن نحيي ما حاول دفنه الطغاة، ونعيد بناء حاضرنا بماضينا”؛ إذ تحمل هذه العبارة، وفق خرزم، إدانة صريحة للنظام السابق، ورسالة طمأنة للسوريين بأن دولتهم الجديدة تسعى إلى استعادة ما نهبه المستبدون من تاريخ وهوية وكرامة. فإحياء “ما حاول دفنه الطغاة” يعني أن الهوية السورية الأصيلة كانت موجودة دائما، وأن الاستبداد حاول حجبها وطمسها تحت أنقاض القمع والتهميش والخراب. وتأتي الدولة الجديدة لتعيد هذا الكنز إلى النور، وتؤكد أن بناء الحاضر لا يبدأ من الفراغ، بل من الذاكرة الحضارية، ومن تراكم طويل من الإبداع السوري في الصناعة والتجارة والثقافة والعمل. فضلا عن ذلك، تحمل العبارة نفسها إعلان قطيعة نهائية مع فلسفة النظام السابق، الذي مارس سياسة محو الهوية وتسطيح التاريخ وتحويل الدولة إلى أداة لخدمة السلطة. وحين يقول الرئيس الشرع “نحيي ما حاول دفنه الطغاة”، فهو يعلن أن سوريا الجديدة ليست امتدادا لذلك النظام، وأن كل ما حاول إخفاءه سيظهر، وكل ما دمره سيعاد بناؤه، وكل ما همشه سيعود إلى موقعه الطبيعي. الوحدة الوطنية كنسيج متماسك يتابع خرزم حديثه بالقول إن الرسالة الأكثر وضوحا تبرز في قول الرئيس الشرع: “إننا هنا ننسج قصتنا بالسلم الأهلي والوحدة الوطنية، في بلد أنهكته الحرب والانقسامات الطائفية والسياسية”. فصورة النسج هنا تعيد إنتاج فكرة الوحدة الوطنية بطريقة بصرية ملموسة، لأن النسيج يتكون من خيوط مختلفة الألوان والأحجام، تتشابك جميعها لتشكل لوحة واحدة متماسكة. وتحمل هذه الاستعارة رسالة ضمنية إلى كل المكونات السورية، مفادها أن الاختلاف مصدر جمال وقوة، وأن المستقبل لا يصنعه لون واحد أو صوت واحد أو مكون واحد، إنما تصنعه الخيوط كلها عندما تجتمع ضمن إطار وطني واحد. وتاليا، يصبح السلم الأهلي عملا يوميا يحتاج إلى صبر النساج ودقته، وتصبح الوحدة الوطنية نتيجة فعل متراكم، تشارك فيه الدولة والمجتمع والمؤسسات والعائلات والفعاليات الاقتصادية والثقافية. وعن قول الرئيس الشرع: “لتعود سوريا كما كانت مصدر الإبداع، ومصدرة الكفاءات، ومحضن أهل الدراية والأيدي الماهرة”، يلفت خرزم إلى أن هذه العبارة تخاطب اللاجئين السوريين في الخارج، وتقول لهم إن سوريا ستعود كما كانت، وإن أبوابها تتهيأ لاستقبال أبنائها وكفاءاتها. فالحديث عن سوريا “مصدرة الكفاءات” يعترف بحجم الهجرة التي شهدتها البلاد، ويحمل في الوقت نفسه دعوة إلى تحويل هذه الهجرة من علامة خسارة إلى رصيد وطني يمكن أن يسهم في إعادة الإعمار والتنمية. وسوريا التي صدرت كفاءاتها خلال سنوات الحرب قادرة اليوم على إعادة ربطهم بوطنهم، عبر فرص العمل والاستثمار والمشاركة في بناء الدولة الجديدة. وفي هذا السياق، تبدو الصناعة النسيجية رمزا مناسبا للعودة، لأنها من الصناعات التي ارتبطت تاريخيا بالحرفة والعائلة والمدينة والسوق والمهارة المتوارثة. وعندما تستعيد سوريا هذه الصناعة، فهي تستعيد معها معنى العمل المنتج، وثقة الإنسان بيده، وارتباط الاقتصاد بالهوية، وحضور المدن السورية في الأسواق العربية والعالمية. نظرية سياسية متكاملة يرى خرزم أن أبرز الرسائل الخارجية وأكثرها تأثيرا وردت في قول الرئيس الشرع: “إن سوريا اشتهرت أيضا بصناعة السيوف الدمشقية الحادة، إلى جانب الملامس الناعمة من الحرير والأقمشة، وبين الحدة واللين تكمن السياسة السورية المتطبعة بأكثر ما اشتهرت به، فأعطت كل ذي حق حقه”. هذه العبارة، بحسب خرزم، تمثل إعلانا عن نظرية سياسية متكاملة؛ فالحدة رسالة إلى كل من يفكر في المساس بسيادة سوريا أو استقرارها، انطلاقا من كون سوريا دولة تمتلك القدرة على الدفاع عن نفسها وحقوقها. واستحضار السيوف الدمشقية ليس ذكرا عابرا للتراث، فهو تذكير بأن دمشق كانت عبر التاريخ عاصمة حضارة ونفوذ وقدرة، وتعرف كيف تكون حازمة حين تستدعي الضرورة. وتأتي “نعومة الحرير” كرسالة إلى دول الجوار والمحيط والعالم، بأن سوريا دولة منفتحة على السلام والتعاون، وتمد يدها لكل من يريد التعامل معها بصدق. فالحرير، في الذاكرة السورية، سلعة ثمينة حملت اسم دمشق إلى أقاصي الأرض، ومن خلاله يرسل الرئيس رسالة انفتاح اقتصادي وسياسي وثقافي، مفادها أن سوريا تعرف كيف تصون حقها بقوة، وتفتح أبوابها للتعاون بثقة. وتأتي عبارة “أعطت كل ذي حق حقه” كرسالة محورية في السياسة الخارجية السورية الجديدة، فهي تؤكد أن الدولة تلتزم الحوار والسلام واحترام سيادة الدول والمصالح المشتركة في علاقاتها الخارجية. وسوريا الجديدة لا تقبل التبعية، ولا تبحث عن العداء، وتتعامل مع الأطراف وفق قاعدة الحقوق المتبادلة، والمصالح الواضحة، والندية السياسية. وحملت كلمة الرئيس الشرع رسالة إلى كيان الاحتلال الإسرائيلي، بأن سوريا منفتحة على السلام المشروط بالصدق وتبادل النوايا الحسنة، وأنها لا تبحث عن الحرب، وتبادر إلى “تطريز لوحات السلام” لمن يبادلها صدق المشاعر والنوايا. وتعني هذه العبارة أن سوريا تريد سلاما قائما على الندية والاحترام المتبادل واستعادة الحقوق والأراضي المحتلة، لا سلاما شكليا أو مفروضا أو منزوع المعنى. كما حملت الكلمة رسالة إلى تنظيم “داعش” الإرهابي، وإلى الإرهاب عموما، بأن سوريا استعادت زمام المبادرة. فإقامة فعاليات ومعارض دولية ضخمة في قلب دمشق، بحضور رسمي واسع ووفود دولية، تشكل رسالة مباشرة لقوى الإرهاب، مفادها أن الدولة موجودة، وتمارس سيادتها، وتعيد الحياة إلى فضاءاتها العامة، وتفتح أبواب العاصمة للمنتجين والمستثمرين والزوار. والحديث عن الاستقرار الأمني كأحد ركائز النهضة، وعن إحياء ما حاول الطغاة دفنه، يحمل رسالة ضمنية بأن الدولة قطعت شوطا كبيرا في اجتثاث الإرهاب، وتهيئة البيئة الآمنة لمواصلة التعافي والنهوض والتنمية. ويرى خرزم أن الرسالة الأعمق تكمن في حديث الرئيس عن “المعركة مع الفقر والعوز” كبديل عن معركة السلاح، لأنه يعلن أن الإرهاب يفقد جذوره الاجتماعية والاقتصادية كلما تقدمت الدولة في الإنتاج والعمل والتنمية. إعادة تعريف العلاقات الإقليمية وأشار المحامي خرزم إلى أن كلمة الرئيس الشرع حملت رسالة إلى ميليشيا “حزب الله” والتنظيمات المسلحة الأخرى، سواء في لبنان أو داخل سوريا أو على حدودها، من خلال التأكيد على الدبلوماسية المتوازنة والسيادة الوطنية. فسوريا التي “أعطت كل ذي حق حقه” لن تسمح لأي جهة باستخدام أراضيها منطلقا لتهديد جيرانها، ولن تكون ساحة لصراعات الوكالة؛ وهذا يعني إعادة تعريف علاقاتها الإقليمية على قاعدة المصلحة الوطنية السورية، بعد نهاية المرحلة التي جرى فيها ربط سوريا بما سمي سابقا “المحور الإيراني”، وتحويل النظام المخلوع إلى أداة ضمن محاور إقليمية محددة. وتعني “الدبلوماسية المتوازنة” أن دمشق ستتعامل مع كل الأطراف وفق مصلحتها الوطنية، من دون تبعية، وهذا يشكل تحولا جذريا عن الحقبة السابقة التي خضع فيها القرار السوري لحسابات ضيقة، أفقدت الدولة استقلالها، وحولت أراضيها إلى ممرات نفوذ وساحات تصفية حسابات. وحملت كلمة الرئيس الشرع رسالة إلى فلول النظام المخلوع، تجلت في عبارة “نحيي ما حاول دفنه الطغاة”، وفي الانتقال إلى دولة الإنتاج. فهذه الصيغة، وفق خرزم، تحمل إدانة شاملة للنظام، وتؤكد أن صفحته طويت نهائيا، ويتجسد ذلك واقعيا من خلال تقديم الدولة الجديدة نفسها كبديل كامل عن فلسفة النظام المجرم الذي اعتمد القمع والتهميش والفساد والخراب، فالتحول الجاري هو تغيير في النموذج والوظيفة والمعنى. وتتوجه الرسالة أيضا إلى المجتمع الدولي، وخاصة الدول العربية والأوروبية، بأن سوريا أصبحت دولة مختلفة، مستعدة للانخراط في العلاقات الدولية بشكل طبيعي، وإقامة فعاليات ومعارض دولية ضخمة، بمشاركة وفود من معظم دول العالم، دليل عملي على أن سوريا بدأت تستعيد حضورها ومكانتها وتأثيرها على الساحة الدولية. ثلاثية الهوية والقوة والانفتاح وختم الباحث السياسي المحامي جواد خرزم حديثه لـ”الثورة السورية” بالقول إن الرسالة الجامعة من خطاب الرئيس الشرع تتمثل في ثلاثية متكاملة تقدم من خلالها سوريا الجديدة نفسها. الأولى هي الهوية، حيث تعود سوريا إلى جذورها الحضارية، وتستعيد ما دفنه الطغاة، وتبني حاضرها بماضيها، وهذه رسالة إلى الداخل والخارج، ومفادها أن سوريا ليست دولة وليدة، بل دولة عريقة تعيد اكتشاف نفسها، وتعيد وصل الحاضر بذاكرة الصناعة والتجارة والثقافة والإبداع. والثانية هي القوة، حيث تقدم سوريا نفسها كدولة تمتلك القدرة على الدفاع عن سيادتها وحقوقها، من خلال رمزية “حدة السيوف”؛ وهذه رسالة إلى كل من يفكر بالعبث بمستقبل سوريا، بأن الدولة الجديدة تملك إرادة القرار، وتعرف قيمة السيادة، وتدرك أن الانفتاح لا يعني الضعف، وأن السلام لا يعني التفريط. والثالثة هي الانفتاح، حيث تظهر سوريا كدولة تمد يدها إلى السلام والتعاون من خلال “نعومة الحرير”، وتخاطب العالم بلغة المصالح المشتركة والصدق والندية، وهذه رسالة إلى الدول والشعوب والشركات والمستثمرين، بأن سوريا جاهزة للانخراط في علاقات دولية طبيعية، قائمة على الاحترام المتبادل وتبادل المنافع. وتاليا، يمكن القول إن كلمة الرئيس الشرع في معرض “ناس تكس” جسدت ملامح رؤية استراتيجية للمستقبل، استخدمت النسيج استعارة للبناء، والسيوف استعارة للقوة، والحرير استعارة للانفتاح، وقدمت صورة متكاملة عن سوريا التي تسعى الدولة الجديدة إلى بنائها سوريا موحدة النسيج، قوية السيادة، منفتحة على العالم، ومتمسكة بجذورها الحضارية التي حاول الطغاة دفنها، فعادت اليوم لتنسج بها مستقبلها.
This is a summary. Read the full article at the original source.
Read full article at thawra_sy
