أبشر حسين يكتب: «لي زمن بنادي» د.بانقا والعطا المستديم

«لي زمن بنادي» د.بانقا والعطا المستديم بقلم: بروف أبشر حسين بعض الأغنيات لا تُسمع بالآذان، وإنما تُستعاد بالذاكرة. وما إن تبدأ كلمات أغنية «لي زمن بنادي للخديدو نادي» حتى تتدفق صور بعيدة، ظلت ساكنة في أعماق الوجدان عشرات السنين، وكأن الزمن لم يمضِ. هذه الأغنية، التي شدا بها أولاد الموردة، هي من روائع الشاعر والملحن ... سودافاكس
«لي زمن بنادي» د.بانقا والعطا المستديم بقلم: بروف أبشر حسين بعض الأغنيات لا تُسمع بالآذان، وإنما تُستعاد بالذاكرة. وما إن تبدأ كلمات أغنية «لي زمن بنادي للخديدو نادي» حتى تتدفق صور بعيدة، ظلت ساكنة في أعماق الوجدان عشرات السنين، وكأن الزمن لم يمضِ. هذه الأغنية، التي شدا بها أولاد الموردة، هي من روائع الشاعر والملحن الكبير عبد الرحمن الريح، أحد الذين نقلوا الأغنية السودانية من الوصف الحسي المباشر إلى رحاب الشعر الوجداني الرقيق، فصارت الكلمة أكثر عمقًا، واللحن أكثر قدرة على ملامسة القلوب. العيد فى الستينات والسبعينات من القرن الماضى «لي زمن بنادي للخديدو نادي يا ناس محبوب قصد عنادي مع نزول دموعي إذا اشتعل زنادي بصده عن سواه أوجِّه استنادي متين يهل هلالي وأسمع المنادي ينادي عن حبيبي ويقول ترك عنادي.» كلما سمعتها، عدت إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي، إلى رحاب جامعة الخرطوم. كنا طلابًا بكلية الطب، نغادر قاعات الـMain Hall بعد انتهاء المحاضرات المسائية، ثم نواصل المذاكرة في قاعات كلية الآداب حتى ينتصف الليل. لم يكن التعب يعرف طريقًا إلى عزائمنا، فقد كانت الأحلام أكبر من الإرهاق، وكانت الرغبة في التفوق تمنحنا طاقة لا تنضب. ثم نمضي إلى داخلية البركس، حيث الغرف المزدحمة، لكنها كانت تتسع للجميع، لأن الذي كان يملؤها لم يكن الأثاث، وإنما المحبة والألفة وروح الزمالة. هناك كانت تبدأ جلسة أخرى... جلسة لا علاقة لها بالكتب والمحاضرات، بل بالحياة نفسها. نجلس متحلقين، ويبدأ زميلنا العزيز الدكتور عبد المنعم بانقا بالدندنة، ثم يعلو صوته الجميل بأغنية «لي زمن بنادي»، فننضم إليه جميعًا، وكأننا كورال واحد. لم يكن الغناء مجرد ترفيه، بل كان وسيلتنا لمقاومة التعب، وتجديد الأمل، وصناعة ذكريات بقيت معنا حتى اليوم. كان عبد المنعم إنسانًا متعدد المواهب. لاعب كرة قدم بارعًا في فريق كلية الطب بعد انتقالنا إلى مباني الكلية بشارع القصر، وفنانًا موهوبًا وعضوًا نشطًا في جمعية الموسيقى والمسرح. ولا أنسى مشاركتنا في إحدى المسرحيات بمدينة كسلا ضمن أنشطة الكلية. أدى عبد المنعم دور رجل الشرطة، بينما مثلت أنا دور أحد المشردين. ولشدة اندماجه في الشخصية، نلت منه على خشبة المسرح ضربًا حقيقيًا، حتى كدت أحتج قبل أن أتذكر أننا نمثل أمام الجمهور! وما زلت كلما تذكرت ذلك المشهد أبتسم، فقد كان إخلاصه للفن يشبه إخلاصه لكل عمل يقوم به. ثم فرقتنا الحياة بعد التخرج، كما تفرق الأنهار إلى روافدها، واختار كل منا طريقه العلمي. وكان اختيار عبد المنعم لطب الأطفال اختيارًا موفقًا، فقد أصبح واحدًا من أبرز أساتذة هذا التخصص، ومرجعًا علميًا يثق فيه الجميع. على مدى أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، ظل حاضرًا في حوادث الأطفال، والعنابر، والعيادات المحولة، لا يعرف الكلل ولا الملل، يعلم طلاب الطب، ويشرف على الأطباء، ويخفف آلام الصغار بابتسامته قبل دوائه، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالعطاء والإخلاص والتميز. وعندما أجبرته ظروف الحرب المؤلمة على مغادرة السودان إلى القاهرة، لم يتقاعد عن رسالته، ولم ينكفئ على نفسه، بل حمل وطنه في قلبه، وواصل تدريس طلاب الطب، واستقبل أطفال السودان في عيادته، مؤمنًا بأن الطبيب الحقيقي لا تحده الحدود، وأن رسالة الطب أسمى من المكان. إن أجمل ما بقي لنا من تلك السنوات ليس الشهادات وحدها، ولا المناصب التي تقلدناها، وإنما هؤلاء الأصدقاء الذين ساروا معنا في رحلة العمر، وظلوا أوفياء للمبادئ التي تعلمناها معًا: العلم، والصدق، وخدمة الناس. نسأل الله أن يحفظ أخي وصديقي الدكتور عبد المنعم بانقا، وأن يمتعه بموفور الصحة والعافية، وأن يبارك له في أسرته وذريته، وأن يجعل كل علم نشره، وكل مريض عالجه، وكل طفل رسم البسمة على وجهه، في ميزان حسناته. وستظل أغنية «لي زمن بنادي» كلما صدحت، لا تذكرني بحبيب هجر حبيبًا، وإنما تذكرني بجيل كامل أحب وطنه، وآمن بالعلم، وصنع من الصداقة قيمةً لا يطويها الزمن.
This is a summary. Read the full article at the original source.
Read full article at sudafax
