Education·

التراجع الديموغرافي.. ومستقبل الجامعة!

التراجع الديموغرافي.. ومستقبل الجامعة!

يعرف التعليم العالي خلال هذه السنوات تحولًا ديموغرافيًا غير مسبوق، يتمثل في الانخفاض التدريجي لأعداد الشباب في سنّ الدراسة الجامعية، وهذا نتيجة تراجع معدلات الولادة عبر العالم. وقد كان التحدي الرئيسي الذي واجه الجامعات خلال النصف الثاني من القرن العشرين هو استيعاب التدفق المستمر للطلبة، أما اليوم، فالتحدي معكوس في كثير من البلدان، إذ تعاني [...] The post التراجع الديموغرافي.. ومستقبل الجامعة! appeared first on الشروق أونلاين .

التراجع الديموغرافي.. ومستقبل الجامعة! يعرف التعليم العالي خلال هذه السنوات تحولًا ديموغرافيًا غير مسبوق، يتمثل في الانخفاض التدريجي لأعداد الشباب في سنّ الدراسة الجامعية، وهذا نتيجة تراجع معدلات الولادة عبر العالم. وقد كان التحدي الرئيسي الذي واجه الجامعات خلال النصف الثاني من القرن العشرين هو استيعاب التدفق المستمر للطلبة، أما اليوم، فالتحدي معكوس في كثير من البلدان، إذ تعاني جامعاتها من تقلص أعداد الملتحقين بها. ولذلك يفرض علينا هذا الوضع الانتباه، منذ الآن، لإعادة النظر في فلسفة التعليم العالي ومقوّماته. 1. الوضع المنتظر قدّم مقال صادر في الأسبوعية اللندنية “أخبار عالم الجامعات” (UWN) في الثامن من هذا الشهر، تشخيصا جريئا وواقعيا لهذه الأزمة الصامتة والمدمّرة التي تقلب شيئا فشيئا موازين التعليم العالي في جميع أنحاء العالم. فبعد أكثر من نصف قرن من النمو المطّرد والتفاؤل المستمر تضاعف عدد الطلبة أكثر من مرتين على الصعيد العالمي منذ عام 2000: كان آنذاك يقدر بـ 100 مليون طالب فصار 269 مليون طالب عام 2024. والآن تشير التقديرات إلى أن هذا الرقم بلغ 283 مليون طالب. واليوم، بدأت الحقائق الديموغرافية تتجلّى بما لا يدع مجالا للشك: هذا التراجع ليس مجرد موجة عابرة أو اضطراب مؤقت يمكن تجاوزه بسياسات تحفيزية قصيرة المدى بل هو تحوّل هيكلي عميق الجذور. وقد كان ناجما عن قرارات وبرامج تسمى أحيانا “تحديد النسل” وأحيانا أخرى “تنظيم الأسرة”، فضلا عن ظروف أخرى في أرجاء العالم مرت بها المجتمعات والشعوب قبل سنوات وعقود. وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على التعليم العالي حيث بدأت الجامعات في اليابان وكوريا الجنوبية وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا ودول أوروبا الشرقية والصين تسجل تراجعًا في أعداد الطلبة الجدد. بل إن بعض الجامعات، خاصة الواقعة في المدن الصغيرة أو الأقاليم النائية، اضطرت إلى دمج كلياتها أو إغلاق بعض برامجها الأكاديمية بسبب ضعف الإقبال عليها. وأدى هذا التحول أيضا إلى تراجع الطلب على السكن الجامعي والخدمات التجارية والثقافية، وهو ما أثر في الاقتصادات المحلية لمدن كثيرة عبر العالم. ولذلك بدأت بعض الحكومات تعيد النظر في سياسات تمويل التعليم العالي. ومن الظواهر الأخرى الناجمة عن هذا الوضع، تزايد التنافس بين الجامعات على استقطاب الطلبة، سواء داخل الدولة الواحدة أو على المستوى الدولي. فبعد أن كانت الجامعات تنتقي طلبتها من بين أعداد كبيرة من المترشحين للدراسة، أصبحت في كثير من الأحيان تتنافس فيما بينها لجذبهم، مستندة إلى تحسين ترتيبها في التصنيفات العالمية، وتطوير برامجها التعليمية، وتقديم منح دراسية، وإنشاء برامج باللغة الإنكليزية بدل اللغات الأخرى التي لا تستقطب الطلبة الأجانب. وهكذا تحوّل الطالب من مجرد مستفيد من الخدمة التعليمية إلى موْرد استراتيجي تتنافس عليه المؤسسات الجامعية. ولا يقتصر أثر التراجع الديموغرافي على مرحلة التكوين الجامعي بل يمتد إلى منظومة البحث العلمي حيث يؤدي انخفاض أعداد الطلبة إلى تقلص عدد طلبة الماجستير والدكتوراه. ولهذا الوضع أثر سلبي كبير على تجديد الكفاءات العلمية وعلى قدرة الجامعات على إنتاج المعرفة والابتكار والابداع. 2. في العالم العربي وفي الجزائر يختلف الوضع في العالم العربي نسبيًا عن الدول الصناعية إذ لا تزال أغلب الدول العربية تحظى ببنية بشرية شابة مقارنة بشرق آسيا وأوروبا، وهو ما يفسر استمرار التوسع في التعليم العالي وتزايد تشييد الجامعات. غير أن المؤشرات الديموغرافية الأخيرة تكشف أن معظم البلدان العربية دخلت مرحلة انخفاض تدريجي في معدل الولادات. فقد انخفض هذا المعدل بصورة واضحة في دول الخليج العربي، كما عرف المغرب وتونس ولبنان انخفاضًا كبيرا، بينما بدأت مصر والجزائر والأردن تعرف هي الأخرى تراجعا تدريجيا في عدد الولادات مقارنة بما كان عليه الحال قبل ثلاثة عقود. أما أسباب ذلك فيراها الخبراء متعددة وتختلف من مجتمع لآخر، ولا يمكن إرجاعها لسبب واحد: فهي تتراوح بين التحولات الثقافية، مثل الوعي بلزوم جودة الرعاية المقدمة للأطفال، وكذا الاعتبارات الاقتصادية. وهناك الميول إلى “ثقافة العبء العائلي” ذات العلاقة بالنظرة الاجتماعية التي تعتبر تربية الأطفال واستيفاء مستلزماتهم التعليمية والصحية والمالية مسؤولية مرهقة ومكلفة. ولا ينبغي أن ننسى في هذا السياق انتشار ظاهرة “الأُسَر النووية” التي تقضي بالاستقلالية في السكن لكل متزوج جديد فيصبح إنجاب عدد أكبر من الأطفال مكلفا من كل الجوانب. وهذا يعني أن الجامعات العربية التي لا تزال اليوم تواجه تحديات مرتبطة باستيعاب الأعداد الكبيرة من الطلبة، ستجد نفسها خلال العقدين أو الثلاثة عقود المقبلة أمام واقع جديد يتمثل في استقرار أعداد الطلبة ثم انخفاضها. ولذلك فإن التخطيط الاستراتيجي للتعليم العالي في العالم العربي ينبغي ألا يقتصر على معالجة المشكلات الحالية، وإنما يجب أن يستعد مبكرًا للتحولات الديموغرافية القادمة. وفي الجزائر، توسع قطاع التعليم العالي بصورة كبيرة منذ الاستقلال، وتسارع هذا التوسع خلال العقدين الأخيرين مع إنشاء عشرات الجامعات والمراكز الجامعية والمدارس العليا، وذلك استجابة للنمو السريع في عدد السكان وتعداد الحاصلين على شهادة البكالوريا. ويضم القطاع اليوم قرابة مليوني طالب، وهو رقم من أضخم الأرقام (بمراعاة نسبة السكان) في إفريقيا والعالم العربي. غير أن الجزائر تشهد بدورها انخفاضا تدريجيا في معدل الولادات مقارنة بما كان عليه الحال في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. كما تشير التوقعات السكانية إلى أن عدد الشباب في سنّ الجامعة سيبدأ في الاستقرار ثم الانخفاض خلال العقدين المقبلين إذا تواصلت الاتجاهات الديموغرافية على ما هو عليه الحال اليوم. ولذلك كله، فبالنسبة للعالم العربي، تمثل المرحلة الحالية فرصة للتخطيط الاستباقي قبل أن تظهر آثار التراجع الديموغرافي بصورة واضحة. فبدل انتظار انخفاض أعداد الطلبة، ثم البحث عن حلول متأخرة، ينبغي أن ندرك بأنه آن الأوان لنبدأ التفكير في إصلاح منظومات التعليم العالي، وتطوير برامج التكوين المستمر، واستقطاب الطلبة الأجانب، وتعزيز التعاون الإقليمي بين الجامعات العربية والإفريقية. 3. لا بد من رؤية جديدة للجامعة في آسيا، تتصدر كوريا الجنوبية واليابان قائمة الدول الأكثر تضررا حيث تعانيان من شيخوخة سكانية حادة ومعدلات إنجاب هي الأدنى في العالم. أما الولايات المتحدة، فتقف الآن على بوابة مرحلة حرجة جدا، بينما لا تزال الصين في مرحلة النمو من حيث الأعداد الإجمالية، غير أن الأرقام المتعلقة بمواليدها الجدد والالتحاق بالمراحل الابتدائية ترسم ملمح أزمة عميقة ستضرب جامعاتها بحلول منتصف ثلاثينيات. إن مقاربة هذه الأنظمة الأربعة مجتمعة، وقد بلغت كل منها مرحلة مختلفة في هذا المسار، تقدم لنا صورة إجمالية عن نوع التحدي، وعن طبيعة التسيير الاستثنائي الذي تتطلبه مرحلة ما بعد الذروة الديموغرافية. فالمؤسسات التي بُنِيت في هذه الدول خلال عقود من الزمن لاستيعاب موجات طلابية متزايدة باتت اليوم تواجه ظاهرة عكسية تتطلب منها مراجعة شاملة للغايات والوسائل على حد سواء. يرى الخبراء أن التراجع الديموغرافي يفرض على الجامعات في كافة بلدان العالم مراجعة نموذجها التقليدي الذي كان يقوم على التوسع المستمر في أعداد الطلبة. فجامعة المستقبل لن تُقاس قيمتها بعدد المسجلين فيها، وإنما ستقاس بقدرتها على إنتاج المعارف، وتكوين الكفاءات، والإسهام في التنمية المتعددة الأشكال. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعويض انخفاض أعداد الطلبة بل في إعادة تعريف رسالة الجامعة. ولهذا بدأت الجامعات الرائدة في العالم تميل إلى تبنّى استراتيجيات جديدة تقوم على تنويع جمهورها المستهدف، فلم تعد تقتصر على الطلبة حديثي التخرج من الثانوية، بل أصبحت تستقبل مثلا المهنيين الراغبين في تطوير مهاراتهم، والباحثين عن إعادة التأهيل المهني، والمتقاعدين، وذلك من خلال “برامج التعلم مدى الحياة”، والدورات التدريبية القصيرة، والتعليم عن بعد. كما أصبح استقطاب الطلبة الدوليين أحد أهم السبل لتعزيز المكانة الدولية للجامعات. من واجبنا، نحن، تتبع هذه التطورات الجارية في البلدان الأخرى استعدادا لمواجهة مثل هذه التحديات قبل أن تصبح واقعًا يفرض نفسه.

This is a summary. Read the full article at the original source.

Read full article at echoroukonline