Politics·

من قيرغيزستان .. روح شنغهاي تنساب بين الأروقة من شعار إلى المعايشة الإنسانية

من قيرغيزستان .. روح شنغهاي تنساب بين الأروقة من شعار إلى المعايشة الإنسانية

ركزت قمة شنغهاي للإعلام والفكر على بناء الجسور بين ثقافات دول وسط أسيا والبناء على القواسم المشتركة للشعوب

وسط نحو 260 إعلامي ومفكر مدعوين من مختلف أنحاء آسيا، بدت قمة شنغهاي للإعلام والفكر، التي تزامنت مع الذكرى 25 لتأسيس المنظمة، أقرب إلى تجربة إنسانية عميقة منها إلى مجرد حدث رسمي. كان الهدف هو تعزيز التواصل بين الثقافات، لكن ما جرى على أرض الواقع تجاوز ذلك بكثير، ليصبح معايشة حقيقية للقواسم المشتركة بين شعوب تختلف لغاتها، وتتقاطع همومها. لغة واحدة رغم اختلاف الألسنة رغم تعدد الألسنة التي تتحدث الروسية والهندية والصينية وغيرها من لغات شعوب آسيا الوسطى، غاب الإحساس بأي عائق في التواصل، وكانت تكفي الابتسامة والإشارة إلى تبادل القصص، وتختصر المصافحة الودودة كثير من المقدمات، وتشعر برغبة في الإنصات، لندرك أننا لا نحتاج إلى مفردات كثيرة للحوار القائم على احترام الاختلاف. في أروقة المؤتمر، ترى المنظمين من وكالة الأنباء الصينية شينخوا، ووكالة أنباء قيرغيزستان الوطنية "كابار"، يجتهدون في إرشاد الضيوف إلى قاعات الجلسات، البعض يتحدث الإنجليزية بالكاد، والبعض الآخر لا يتحدثها إطلاقا، لكنك لا تواجه أدنى صعوبة في معرفة الوجهة التالية، وترى الصبر في أعينهم وهم ينصتون إليك حينما تطرح أي سؤال. قمة بلا أخبار عاجلة .. ولكن مع انطلاق فعاليات المؤتمر، وبدء كلمات المتحدثين الرسميين من وراء المنصة، باتت القصة التي أبحث عن كتابتها أكثر صعوبة، لا قرارات كبرى، لا اتفاقيات موقعة، لا أخبار عاجلة أو حصرية، فقط التأكيد على «روح شنغهاي» الداعية إلى بناء جسور التواصل بين شعوب وسط آسيا، بالبناء على القواسم المشتركة واحترام تنوع الثقافات. انتهت كلمات المسؤولين برسائل لم أنتبه إليها في حينها، مع مرور الوقت اتضح أن الرسالة أعمق مما يبدو، وأن جوهر القمة لم يكن في القرارات، بل دعوة غير مباشرة للإعلاميين وصناع الفكر ملخصها: تواصلوا واكتشفوا ما يجمعنا من قيم مشتركة فالاختلاف لا يمنع التعاون. في القاعات الجانبية، انطلقت الجلسات النقاشية بين الصحفيين والمفكرين، تلخصت كلمة رئيس معهد شينخوا للفكر ليو جانغ في حصر متطلبات تعزيز التعاون بين دول المنظمة، لا سيما تطوير قدرات بنوك التنمية لتمويل البحث العلمي والتقني المشترك، وكذلك تبسيط المعاملات التجارية، على أن المعاهد البحثية في تعزيز تبادل الخبرات بين الدول، وقال أن معهد شينخوا بالتعاون مع مراكز فكر صينية أخرى تقدموا بمبادرة لتأسيس الجمعية الوطنية لمراكز فكر "الحزام والطريق" لنصبح منصة قوية لتبادل الخبرات والأفكار وتعزيز التعاون بين دول المنظمة. منصة للأفكار لا للسياسات فقط وكأنما كان يستمع إلى خواطري، قال فاسيلي بوشكوف مدير العلاقات الدولية في وكالة سبوتنيك الروسية، أنه سئل قبل مشاركته في قمة شنغهاي للإعلام عن الفائدة من عقد منتدى للخبراء، مشيرا إلى ان الناس يفهمون سبب لقاء السياسيين، ورجال الأعمال، ولكن ما الفائدة من لقاء المفكرين والصحفيين؟. أجاب بوشكوف أن السبب هو إسناد النصح، وتقديم المشورة لصناع القرار، فضلا عن اكتشاف مدى القواسم المشتركة الحقيقية التي تجمع الناس من مختلف دول وسط آسيا. وجاءت كلمة الدكتور أحمد قنديل خبير الشئون الآسيوية في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، ليقترح إنشاء شبكة دائمة من مراكز الفكر والمؤسسات الإعلامية التابعة لمنظمة شنغهاي، تعمل على مدار العام وتدعم البحوث المشتركة وتبادل الخبرات. دعا قنديل مراكز الفكر لأن تلعب دورا أكبر في منع النزاعات من خلال الإنذار المبكر، والمساعدة في تقليل التصورات الخاطئة ومقاومة التحريض، وقال أن "روح شنغهاي" من شأنها أن تنمو وتتطور عبر استغلال الممرات المائية الاستراتيجية والسكك الحديدية، لتصبح جسورا لتبادل الثقافات، وقال أن أمن قناة السويس على سبيل المثال هو مسؤولية وطنية ودولية في آن واحد. أوضح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القضاء على التنافس أو الاختلاف، بل في إدارة كلاهما وفق الهدف الدائم لـ "روح شنغهاي" ، القائم على التعاون بلا هيمنة، والتنوع بلا انقسام، والتنمية بلا استبعاد. حين تتحدث القمم بلغة الناس ثم جاءت كلمة الدكتور أوبيندرا غوتام، الأمين العام لمركز الدراسات الصينية في نيبال لتلمس صلب الهدف من قمة شنغهاي في بشكيك، إذ لخص الغاية من هذا اللقاء الذي جمع الصحفيين والمفكرين من شتى أنحاء آسيا، في رفع مستوى الإنسان، ليصبح تحسين جودة حياة المزارعين والطلاب في مركز الاهتمام، مشيرا إلى أن التكامل بين دول منظمة شنغهاي، يسمح بتمرير التكنولوجيا من الدول ذات الريادة في هذا الشأن مثل الصين، إلى دول تنساب من خلالها هذه التكنولوجيا إلى عامة الناس لتستفيد منها في تحسين حياتهم. قال أنه عمل في العديد من مشروعات الري في الصين، ولمس كيف يرى الناس المياه وهي تجري وتصل إلى الحقول بسبب تكنولوجيا الري الحديثة، ما جعل المزارعون يلمسون فعليا انعكاس التكنولوجيا على زيادة إنتاجية المحاصيل، والحصاد الجيد، وتحسين مستوى معيشتهم، مشيرا إلى أن الناس عندما تلمس أن التكنولوجيا مفيدة وتسهل حياتهم، فإنهم يؤمنون بها، وبالتالي تكون عملية التبني والتكيف عظيمة. يوضح غوتام أن دور الحكومات في تقديم الدعم إلى شعوبها وتحسين معيشتهم خير حافظ أمام حملات التغريب التي تأتي من أوروبا والولايات المتحدة، وتهدف إلى تجزئة العائلات وفك تماسكها، واختراق التماسك المجتمعي القائم على ترابط العائلة. "روح شنغهاي" حاضرة على طاولات الطعام على طاولات الطعام وما بين جلسات النقاش، ترى صحفي من سريلانكا يتبادل الأفكار مع آخر من كمبوديا، ويستمع إليهم باهتمام صحفي آخر من مصر، نقاشات لم تكن معدة سلفا، لكنها لحظات صادقة من التواصل وبناء الجسور، نكتشف معها جميعا هذا القدر الذي يجمعنا من الخصائص المشتركة. رغم اختلاف اللغات والثقافات، شيئا فشيئا تشعر بالمعنى الحقيقي لمفهوم "روح شنغهاي" القائمة على أسس المساواة واحترام التنوع والابتعاد عن التباهي بالأعراق، نقاشات لم تُذكر في البيانات الختامية، لكنها تترك أثرا عميقا. تظهر النقاشات الجانبية بين الصحفي الذي يحمل هموم مجتمعه، والمفكر الباحث عن إجابات وسط ضجيج العالم، أن الاهتمامات والتحديات مشتركة، نتحدث عن الصحافة الرقمية والذكاء الاصطناعي ومحاولات التمسك بالمهنية في مواجهة الإعلام المضلل، ثم ندرك شيئا فشيئا أن العمل الصحفي لا يقتصر على ما قيل وراء الميكروفونات وخلف المنصات الفخمة، وإنما يكمن في محاولة التعرف على الإنسان القادم من بلدان تتشارك معنا في الكثير من الخصائص، بصرف النظر عن اللغة والدين والعرق. لم يكن مفهوم “روح شنغهاي” مجرد شعارا، وإنما أريد به من خلال هذه القمة أن يكون ممارسة حقيقية لكافة المشاركين في القمة. بشكيك.. الجغرافيا جزء من القصة بين المساحات الخضراء الشاسعة، والجبال الممتدة، والهوا النقي، بدت بشكيك عاصمة قرغيزستان وكأنها جزء من القصة الصحفية، بطبيعتها الهادئة وناسها الودودين، وجد الصحفيين القادمين من مدن مزدحمة مثل بكين والقاهرة ونيودلهي وإسلام أباد أنفسهم في بيئة مختلفة تماما، بعيدا عن الضجيج بدت النقاشات المهنية ذات بعد إنساني قريب من الواقع، وحضرت "روح شنغهاي" في الشوارع المنظمة ووجوه الناس المبتسمة، لم يكن هناك استعجال، بل مساحة للتواصل ودعوة لإعادة النظر في أسلوب تعارفنا على الآخر. تشعر بالبساطة بداية من موقع انعقاد القمة في المقر الحكومي لقيرغيزستان، داخل خيمة "إنيسي" المصممة على الطراز القرغيزي التقليدي، وترى في الاستقبال فرقة فنية تعزف إيقاعات تلمس الوجدان على الآلات الوترية المعبرة عن ثقافة هذا البلد. قواسم مشتركة أعمق مما نتصور كانت معلوماتي عن قيرغيزستان محدودة قاصرة على التعداد السكاني والخلفية التاريخية واللغات الشائعة، ومع زيارة متحفها الوطني، تبين أن تاريخ هذه الأمة ليس بعيدا عن واقعنا في الشرق الأوسط كما كنت أتصور، وتأكد لي من المخطوطات والآثار المكتوبة باللغة العربية أن هذا البلد الذي كنت أعتقد ابتعاده التام عن خلفياتنا الثقافية، يفخر بأن التراث الإسلامي العربي جزء من هويته، إذ أن جسور التواصل مع منطقتنا بدأت قديما جدا عبر طريق الحرير، مرور بجبال تيان شان وممراتها الحيوية التي ساقت التجارة والثقافات بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط، فضلا عن انتشار الدين الإسلامي مبكرا منذ القرن الثامن الميلادي عبر القبائل التركية و القيرغيزية. حينما صعدنا إلى حديقة علاء أرتشا الطبيعة الوطنية، كانت الخطوات تصبح أكثر ثقلا دقيقة بعد الأخرى، الارتفاع شاهق والحركة بطيئة، تنظر حولك فترى وجوه مسنة تمشي بصعوبة، لدرجة أنني شاهدت رجلا كبيرا في السن مصابا في قدمه يمشي على عكازين، ومستمر في الصعود، ثم يتسلل إلى مسامعك صوت هدير شلالات المياه القادمة من أعلى الجبال، ليتحول الإحساس بالإرهاق إلى شعور عميق بالراحة والنشاط القادم من استنشاق الهواء النقي رغم تناقص الاكسجين بفعل الارتفاع. في الأسفل، ونحن ننتظر حافلة العودة، التفت مرة أخرى إلى تفاصيل شوارع بشكيك، لا زحام، لا أبواق سيارات مزعجة، وكثير جدا من النباتات والأشجار، وكان من اللافت أيضا ندرة سيارات الأجرة وماكينات الصراف الآلي، الغالبية تستخدم الحافلات العامة، وأساليب الدفع الإلكترونية، وترى الناس من مختلف الطبقات في محطات الانتظار بوجوه صابرة، تلتفت يمينا ويسارا فترى أماكن انتظار "سكوتر كهربائي" مخصص لفرد واحد، ثم تدرك أن وسائل المواصلات وطرق الدفع في المدينة تعتمد بشكل كامل على التكنولوجيا القادمة من الصين، أدركت أن "بشكيك" بدورها تشجع على الحوار الهادئ، وتدعو للإنصات واكتشاف الآخر، بعيدا عن المنافسة والتباهي. في الشوارع تطغى المباني الضخمة التي تعبر عن الإرث السوفيتي لهذا البلد ، وتسمع من حين لآخر اللغة التركية التي يتحدثها جانب واسع من الشعب، وتلمس الآثر الذي تتركه الصين من خلال التكنولوجيا المستخدمة في كافة أوجه الحياة في بشكيك، ثم ترى المساجد المشيدة بطراز معماري فريد يعبر عن الإرث الإسلامي، لتدرك في النهاية كيف أن بشيك تعكس بصدق “روح شينغهاي” القائمة على التنوع واحترام الاختلاف. الإنسان أولا قبل الخبر خرجت من بشكيك بقناعة أن الحوار بين الشعوب لا يبدأ من البيانات الختامية، بل يبدأ من لقاء إنساني بسيط، ومن رغبة حقيقية في الإصغاء. فحين يجلس أشخاص من ثقافات متعددة حول طاولة واحدة، ويتبادلون الخبرات والقصص والابتسامات، فإنهم يرسلون رسالة أبلغ من كثير من الخطب: أن الاختلاف لا يمنع التعاون، وأن التنوع يمكن أن يكون مصدرًا للإثراء لا سببًا للانقسام، ثم أدركت أن ما يسمى "روح شنغهاي" كانت ممارسة واقعية عشناها، أن تكون القمة جسرا يبني علاقات بين الناس قبل أن توقع الاتفاقيات بين الدول، ذكرتني بأن الهدف من العمل الصحفي أيا كان ليس بالضرورة الوصول إلى الخبر، وإنما الوصول إلى الإنسان أولا.

This is a summary. Read the full article at the original source.

Read full article at almalnews